محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كان بعض أهل العلم ، فيما بلغني ، يقول : البرهان الذي رأى يوسف فصرف عنه السوءَ والفحشاء ، يعقوبُ عاضًّا على إصبعه ، فلما رآه انكشفَ هاربًا = ويقول بعضهم : إنما هو خيال إطفير سيده ، حين دَنا من الباب ، وذلك أنه لما هرب منها واتبعته ، ألفياه لدى الباب . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه ، لولا أن رأى يوسف برهان ربه ، وذلك آيةٌ من الله ، زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة = وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب = وجائز أن تكون صورة الملك - وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا = ولا حجة للعذر قاطعة بأيِّ ذلك [ كان ] من أيٍّ . والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى ، والإيمان به ، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه . * * * وقوله : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) ، يقول تعالى ذكره : كما أرينَا يوسف برهاننا على الزجر عمَّا همّ به من الفاحشة ، كذلك نسبّب له في كلِّ ما عرض له من همٍّ يهمُّ به فيما لا يرضاه ، ما يزجره ويدفعه عنه ; كي نصرف عنه ركوب ما حرَّمنا عليه ، وإتيان الزنا ، لنطهره من دنس ذلك . ( 1 ) * * * وقوله : ( إنه من عبادنا المخلصين ) اختلفت القراءة في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراءة المدينة والكوفة ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) بفتح اللام من " المخلصين " ، بتأويل : إن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا ، واخترناهم لنبوّتنا ورسالتنا . * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " الصرف " فيما سلف 15 : 254 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك . = وتفسير " الفحشاء " فيما سلف 12 : 547 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .